بين الاقتصاد التقليدي و الاقتصاد التشاركي | أوبر في عش الدبابيير

كلنا شاهدنا ذلك المقطع الذي ظهر فيه سائقوا التاكسي الأبيض وهم يتظاهرون أمام مقر الإدارة العامة للمرور بمدينة نصر بالقاهرة، لينصبوا بعد ذلك كمينًا لمقدمي خدمة التوصيل من  أوبر “Uber”، ففور وصول السيارة تم _بسرعة!!_ إنزال سائقها بزيه المهندم و تسليمه للشرطة مع تحرير محضر ضده

الحقيقة، أن هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك ، فالناس يخشون ما يجهلون فطبيعة النفس البشرية تخشى كل ما هو جديد وغير مألوف، فما بالك و هذا الجديد ينافسهم في أرزاقهم!!
فقد تكررت هذه الحادثة بتفاصيل مختلفة في العديد من المدن والعواصم الأوروبية التي دخلها مثل هذا النوع من الخدمات !
ولكن لماذا رد الفعل المبالغ فيه هذا؟

بين الاقتصاد التقليدي والتشاركي

منذ قيام التجارة كانت فلسفة الاقتصاد قائمة على السيطرة على الموارد الاقتصادية وحيازة المزيد والمزيد من الأصول، ليتم بعد ذلك بيعها من طرف التاجر (البائع) إلى المستهلك (المشتري ) بشكل مباشر ، لكن ما إن أطلت علينا الألفية الجديدة حتى بدأت ملامح ثورة ناعمة تلوح في الأفق لتخرج لنا بنية اقتصادية جديدة تصدر فيها الأفراد المشهد– عوض الشركات – حيث أصبحت وسائل الإنتاج ملكا للأفراد بدلا من احتكارها الشبه كامل من طرف الشركات، فبدأ الانتقال من فكرة الملكية الخاصة لفكرة التشاركية، حيث أصبح الفرد مقدما للخدمة في الصباح و مستهلكا لها في المساء و هو ما أصبح يصطلح عليه بـ “الاقتصاد التشاركي”!

البداية
في مارس ٢٠١٣، أعلن قطاع التكنولوجيا في معرض “سيبيت” في مدينة “هانوفر” الألمانية عن ميلاد الاقتصاد التشاركي(sharing economy) بالقول: “إننا ننتقل من عالم الامتلاك إلى عالم التشارك”، كحدث مهم سيدخل التاريخ.
شاركه في الرأي الباحث الاقتصادي الأمريكي “جيريمي ريفكين“_الذي يعتبر من الآباء المؤسسين لهذه النظرة الجديدة للاقتصاد – حيث يرى أن هذا النوع من الاقتصاد يقوم على  دورة بضائع؟ لا يتم فيها التخلص من أي شيء قبل الأوان.
حيث يقول: “نحن نتقاسم سياراتنا، بيوتنا، ملابسنا، معداتنا مع الكل وذلك مرارا وتكرارا“”. وهذا «التقاسم» المفترض أن يستفيد منه الجميع، والبيئة بصفة خاصة. ففي الاقتصاد التشاركي تكون المشاركة عبر استخدام التكنولوجيا هي المكسب وأساس الربح. قد يستفيد شخص غيرك بما قد تظنه أنت بلا فائدة أو قيمة كالوقت والمعلومات.

الاقتصاد التشاركي .. “Uber”ونماذج أخرى:

من خلال تطبيق أو موقع “Uber” يستطيع الفرد الذي يرغب في تقديم خدمة التوصيل باستخدام سيارته الخاصة تسجيل بياناته ليتمكن الفرد الراغب في الحصول على تلك الخدمة من تلبية حاجته عبر تسجيل بياناته هو الآخر، حيث يقوم الموقع بتسهيل التواصل بين طرفي الخدمة مقابل نسبة يحسمها من سعرها لصالحه.

إن فكرة إدخال التكنولوجيا ليست حديثة اللحظة ، فالشبكة العنكبوتية كانت ومازالت مجالًا خصبًا لتسهيل التواصل بين جميع الأطراف وبأي غرض كان، فقد مكنت تكنولوجيا الاتصال من ظهور العديد من النماذج الأخرى المشابهة في مجالات مختلفة؛كمجال الفنادق “نموذج: Airbnb“، ومجال قضاء الحاجيات اليومية البسيطة “نموذج: مشاوير“، ومجال الخدمات المختلفة من نظافة وصيانة “نماذج: تاسكتي و، Zaarly“، والمجال المدهش والمثير: مجال تشارك شبكة “الواي فاي”!!، نعم فعن طريق نموذج Fonالتشاركي يمكنك الحصول على “واي فاي” في أثناء تجولك في المدن والشوارع التي تشترك في هذا النموذج، حيث لديهم ما يقارب 19 مليون نقطة تشارك “واي فاي” أغلبها في أوروبا ثم اليابان!!

كما أنه وفي يناير الماضي أعلنت شركة “فيس بوك” عن تزويد نظام المناسبات “Events” بمنصة للنقل التشاركي، حيث يمكنك إذا كنت ذاهبًا لمناسبة أو حدث ما ولديك أماكن شاغرة في سيارتك أن توضح ما إذا كنت تستطيع اصطحاب “الأصدقاء فقط”، أم “أصدقاء الأصدقاء”، أو يمكنك اصطحاب أيًا من الأشخاص الذاهبين لنفس المناسبة / الحدث.

 الاقتصاد التشاركي .. معًا من أجل سوق أفضل!

ذكرنا في مقال سابق أن النعيم بالنسبة للاقتصاديين يتمثل في السوق التنافسي ” الاقتصاد الحر”، حيث تتوافر خصائص أربع تميزه عن باقي الأسواق، لذا فمحاولة منا لفهم مزايا الاقتصاد التشاركي سنستعرضه في ضوء الخصائص الأربع لاقتصاد السوق:

1-مواجهة الاحتكار
نظرًا لازدحام المدن تقوم الحكومات بتقنين ترخيص سيارات الأجرة المسموح لها بمزاولة هذا النشاط، هذا العدد المحدود يقلل المنافسة في السوق ويسمح لمقدم الخدمة _الذي منحته الحكومة امتياز تقديم الخدمة_ بطلب أجر (ثمن) مرتفع مقابل تقديم هذه الخدمة (النقل والتوصيل)، وهنا يكون دور الاقتصاد التشاركي بتوفير منافسين يقللون من الآثار الاحتكارية لهؤلاء على السوق بما يعود بالنفع على المستهلك (جودة خدمة أفضل، سعر مناسب).

2- توظيف أفضل للموارد:
نتيجة ندرة الموارد الاقتصادية فإننا دائمًا كاقتصاديين نعمل دائما على البحث عن أفضل استغلال وتوظيف للمتاح من هذه الموارد، وهذا الأمر يتحقق بشكل في الاقتصاد التشاركي حيث أنه _ وعلى سبيل المثال _ إذا كانت هناك حاجة لإقامة مؤتمر أو مناسبة ما في مدينة، وهذه المدينة مزدحمة بالفعل ولا وجود لغرف شاغرة لتغطية احتياجات الأفراد الحضور، ففي الأحوال العادية سيقوم منظموا المؤتمر بنقله إلى مدينة أخرى أو بتأجيله في أحسن الأحوال.

فما الحل؟!!

لا شك أنه قد يوجد العديد من الغرف الشاغرة لدى أفراد يمكنهم مشاركتها مع غيرهم، لذا فإن الاقتصاد التشاركي يقدم حلًا فعالًا لتشغيل هذه الموارد المعطلة عبر خدمة”Airbnb” التي ذكرناها سابقا.

3- توافر المعلومات
أن من أهم مزايا السوق الحر هو توافر المعلومات وشفافيتها فهي تمكن الفاعلين الاقتصاديين من اتخاذ قرارات صحيحة تمكنه من الانتفاع بأكبر شكل ممكن من آلية السوق و هنا يظهر الاقتصاد التشاركي، فمثلاً؛ يتيح تطبيق “Uber” تقييم مقدمي الخدمة من خلال المستفيدين السابقين منها، ليكون هذا التقييم واضحا أمام الجميع ليساعدهم في اختيار الأفضل، كما أنه يؤدي إلى سعي الأفراد مقدمي الخدمة إلى تحسين طريقة تقديمهم للخدمة وتنافسهم في إرضاء العميل خوفًا من تراكم التقييمات السلبية التي قد تؤدي في النهاية إلى استبعادهم من السوق.

4- تكلفة منخفضة:
تقل تكلفة حدوث عملية البيع والشراء في هذا النوع من الاقتصاد مقارنة بالخدمات التقليدية بشكل كبير، فمثللًا؛ في نموذج “Uber” لا تحتاج لأن تقف في الشمس لفترات طويلة متوسلاً لأحد السائقين أن يقبل بتقديم الخدمة لك كما يحدث في بعض البلدان.

الرأي الآخر

إذا كان لــ”أوبر” و النماذج الأخرى المشابهة كل هذه المزايا فما سبب الجدل المثار حول مثل هذه الشركات وردود الفعل المبالغ فيها من طرف المنافسين كسائقي التاكسي الذين افتتحنا بهم المقال، إضافة لأمثالهم من أغلب الدول التي دخلها هذا النوع من الاقتصاد؟!

لكل شيء إذا ما تم نقصان

هذه طبيعة العمل البشري، لذا دعونا نستعرض بعض السلبيات التي يراها معارضوا هذا النوع من الاقتصاد:

1- أين العدالة؟!
هل تعلم أنه وفي ظل تضييق الحكومات على أعداد مقدمي خدمة النقل بسيارات الأجرة، فقد ارتفعت تلك الرسوم لتصل لمبالغ باهظة، فتكلفة الحصول على ترخيص بتقديم خدمة النقل لسائقي الأجرة في مدينة مثل “شيكاغو” يصل إلى 300 ألف دولار أمريكي!! وفي مدينة “نيويورك” تصل القيمة إلى ما يقارب المليون دولار أمريكي!! حتى في القاهرة وفي ظل عدم السماح بتراخيص أجرة جديدة فإن التكلفة التقريبية لشراء لوحة قديمة لسيارة أجرة كي تتمكن من تقديم الخدمة قد يصل إلى 50 ألف جنيه مصري؟!
فهل من العدالة أن يسمح بتقديم هذه الخدمة ممن لا يتحمل تلك التكاليف الباهظة؟!
هل من العدالة أن يفتح المجال للمنافسة أمام فندق قد تحمل مبالغ طائلة في ترخيص وبناء الفندق، وتدريب وتوظيف طاقم ضيافة، ثم هو يجد منافسة من شقة أو غرفة سكنية؟!
ولكن هل يعقل أن تخسر الدولة عائدات الضرائب التي تجنيها من تراخيص الشركات الرسمية في مقابل أفراد لا تستطيع الدولة حصرهم ولا تقنين أوضاعهم؟ هل يُعقل أن يخسر الناس وظائفهم الثابتة لصالح أولئك الهواة؟
ولا شك أن نموذج “Uber” له حساسية دون باقي النماذج الأخرى من الاقتصاد التشاركي، نظرًا لأنه يمس مجالًا هامًا ومؤثرًا في الجانب الاقتصادي للأفراد، حيث تمثل تكلفة النقل جزءً حقيقيًا من التكلفة اليومية للجميع.

2- لا ضمانات
دائمًا تجد من يسيء استخدام كل ما هو جيد، ففي الاقتصاد التشاركي قد تجد شركات وأناس يستأجرون الشقق ليأجرونها مرة أخرى عن طريق موقع كــــــــ Airbnb”” غرفة غرفة وليلة ليلة وبذلك يحصلون على أضعاف ما كانوا سيحصلون عليه إذا أجروا الشقة كاملة لمستأجر “دائم“، وبذلك سيزداد الجشع والتوحش الرأسمالي في المجتمع، وستقل الكمية المعروضة من الشقق ما يرفع تكلفة الإيجار؛ لأن الكل سيفضل أن يأجر الشقة بالغرفة وبالليلة بدلاً من إيجارها شهريًا أو سنويًا، ما يعني أن تتعاظم مشكلة الإسكان في المجتمع.

3- بيع المعلومات:
المعلومة هي أعلى سلعة قيّمة على الإطلاق، فهي تمكن من يحتكرها من السيطرة على السوق بشكل كبير. و من هذا المنطلق و بما أن عامل قوة الاقتصاد التشاركي الأول هو المشاركة في حين تكون التكنولوجيا هي العامل الثاني، فإن ما ينتج عن هذا الاقتصاد من قواعد للبيانات الشخصية الثمينة يمكن أن تكون مضرة جدا إذا تم استخدامها بالشكل الخطأ.فشركة جوجل كمثال أعلنت على موقعها الرسمي أنها لا تبيع المعلومات الشخصية لأحد، أمر جميل أليس كذلك؟ لكن تعالوا ننظر إلى تعريف جوجل للمعلومات الشخصية

ي تقدمها لنا والتي تحدد هويتك الشخصية، مثل اسمك ،عنوان بريدك الإلكتروني ،ومعلومات الفوترة والمعلومات الأخرى التي يمكن لشركة”Google ” بشكل معقول الربط بينها وبين هذه المعلومات. وهذا أهم ما في الأمر، ونودُّ التأكيد على أننا لا نبيع معلوماتك الشخصية.

ولكن إذا نظرت في تعريفها للمعلومات الشخصية تجد أن التعريف فضفاض وغير قاطع! فماذا عن المواقع التي ادخل عليها من خلال متصفح “google chrome” ؟ ماذا عن تاريخ البحث على محرك البحث؟ ماذا عن المقاطع المرئية التي أشاهدها غالبا على “youtube”؟ هل تلتزم جوجل بعدم بيعها؟

بمزيد من البحث ستجد تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة “جوجل”، “إريك شميت” صادمة ومخيفة لحد كبير، ففي ديسمبر 2009 وبعد صعود ملف الخصوصية على الساحة قال شميت: “إذا كان لديك شيء ما لا تريد لأحد أن يعرفه، فالواقع أن محركات البحث _ بما فيها جوجل _ تحتفظ بالمعلومات لبعض الوقت، ومن الممكن أن تتاح هذه المعلومات في أي وقت للسلطات حال طلبها خاصة وأن الشركة خاضعة لقانون” باتريوت” في الولايات المتحدة.

وفي عام 2010 قال: “نحن نحتاج اسمًا مؤكدًا لتقديم خدماتنا للأفراد، والحكومات ستطالبنا بذلك الاسم!!” ، ” عندما أنظر إلى قدر كافي من رسائلك وموقعك، وباستخدام الذكاء الاصطناعي يمكننا التنبؤ إلى أين ستذهب”، “أعطنا 14 صورة لنفسك، وسنحدد بدقة من أنت، هل تظن أننا لا نملك 14 صورة عنك!! ماذا عن حسابك على الفيس بوك؟!!” المصدر

البحث عن الحقيقة

الحقيقة أنه لا أحد يملك الحقيقة كاملة،فالثقافة متغيرة ومتجددة دائما ولهذا تستطيع الأفكار الجديدة أن تعيد رسم الحدود لتجد لنفسها مكانًا وسط ركام الموروثات والعادات والتقاليد، فمثلًا عندما دخلت فكرة الصراف الآلي في بعض البنوك دون البعض، اعترضت البنوك الأخرى على تقديم الخدمة بهذه الصورة الجاذبة للعملاءـ،واعتبروا ذلك منافسة غير شريفة، وكذلك المتاجر الإلكترونية والتي أصبحت جزءً لا يتجزأ من حياتنا وعمليات البيع والشراء التي نقوم بها يوميًا، وهي منافس شرس بكل تأكيد للمتاجر التقليدية، ولكن هذا يصب في النهاية في مصلحة المستهلك والمنتج على السواء، فالمستهلك سيستفيد من تنافس مقدمي الخدمة في تجويدها وتحسينها وتقديمها بأسعار تنافسية، وكذلك فالمنتج المبتكر سيستفيد من تفرده بتطوير وتحسين خدماته الحالية وابتكار خدمات جديدة دون منافسيه ما يجذب له شريحة كبيرة من العملاء يحصلون على تلك الخدمة المميزة وبأسعار أعلى ما يحقق المنفعة لكل الأطراف.

هل يعيب الاقتصاد التشاركي إساءة أصحاب العقارات استخدامه لتعظيم منافعهم الشخصية، أم أن ذلك يعيبهم هم؟

وختامًا، يجب ألا ننسى أن سائقي الأجرة في مصر حين ظهرت فكرة “التاكسي الأبيض” قد اعترضوا أشد اعتراض رافضين التغيير، معترضين على قطع أرزاقهم ومنددين بمنافسة غير شريفة بين سيارات قديمة متهالكة، وأخرى حديثة الطراز مكيفة مريحة، فهل ترى اليوم في مصر “تاكسي أسود”؟