الاقتراض من صندوق النقد الدولي | عبودية أم نهضة اقتصادية؟

الاقتراض من صندوق النقد الدولي 

يعتبر صندوق النقد الدولي ، مؤسسة دولية تمويلية مسئولة عن منح القروض للدول الأعضاء التي تواجه عجزاً  فعلياً أو محتملاً في ميزان المدفوعات “هو سجل محاسبي ومالي تُدوّن فيه كافة الإجراءات المالية التي تتمّ خلال فترة معينة من الزمن ، بين بلدٍ ما ومختلف البلدان الأجنبية”، حيث يحدث العجز نتيجة تقيم خاطئ لسعر صرف العملة المحلية أو أسباب هيكلية ، أو أسباب دورية أو أسباباً طارئة ، من هنا تلجأ الدولة للاقتراض من الصندوق ، لإعادة بناء الاحتياطي الدولي وتثبيت سعر العملة والاستمرار في تغطية مدفوعات الاستيراد ، مع تبني بعض السياسات لعلاج المشاكل التي أفضت بالأساس لهذه الأزمة. 

بوسع أي دولة عضو أن تقترض من الصندوق إذا ما واجهت مشكلة في المدفوعات مع بقية الدول ، حيث يبلغ عدد أعضاء الصندوق 188 عضواً التي من خلال حصصها يستطيع الصندوق أن يقرض الدولة المتأزمة ، وتبعاً لحجم الحصص الذي يعتمد في الأساس على الحجم الاقتصادي للبلدان الأعضاء فإنه يتحدد عد الأصوات المخصصة لكل بلد عضو وحدود الاقتراض التي يوفرها له ، حيث أنه مسئول أمام حكومات بلدانه الأعضاء عن اتخاذ قرار الاقتراض ممثلاً في أعضاء المجلس التنفيذي الذي يتكون من 24 عضواً، حيث تزيد القوة التصويتية لصالح الاقتصادات الناشئة.  

دول تخلت عنه و نهضت بنفسها  ودول استعانت به فماذا كان مصير كل منهما؟

عادةً ما تتخذ حكومات الدول التي تعاني من أزمات مالية ، كثيراً من الإجراءات قبل تفاقم الأزمة التي تمر بها، ولكن عندما يزداد الأمر سوءاً تبدأ الدولة العضو في اتخاذ قرار الاقتراض، وليس بالضروري أن تكون محل ثقة من قبل الصندوق، لذا يقوم الصندوق بفرض العديد من الشروط التي يراها مناسبة لاقتصاد هذه الدولة قوياً كان أو ضعيفاً.   

أندونسيا

خاضت أندونسيا تجربة الاقتراض من صندوق النقد الدولي مثل كثير من الدول، ولكن قامت الحكومة بتطبيق سياسة حكيمة خلصتها من الديون، مع رفضها الشديد لتكرار التجربة التي قامت بها بسبب ظروفها الاقتصادية، حيث دعا الرئيس الإندونيسي “جوكوا ويدودو” في إبريل 2015 دول العالم الثالث بعدم الاعتماد على مؤسسات التمويل الدولية تحديداً صندوق النقد، مشيراً أن بلاده تريد أن تقف على قدم المساواة مع تلك المؤسسات، ولم تخضع لهذه التجربة مره أخرى، وتبحث عن سياسات اقتصادية بديلة في حالة الأزمات المالية.   

ماليزيا

رفضت ماليزيا شروط الصندوق القاسية في ظل أزمتها، حيث تقدم الصندوق بقائمة مطالب منها تحقيق فائض في الموازنة العامة، والسماح بإفلاس الشركات مع وجود معدل فائدة عالي، وتخفيض قيمة العملة الذي يؤدي إلى الإفلاس، فطالبت الحكومة، المتعاملين في أسواق العملات بالتوقف عن المضاربة على عملتها ولكنهم رفضوا، ووصف مهاتير محمد رئيس ماليزيا السابق، أن ما يفعله الصندوق من بيع وشراء العملة يحقق له مكاسب خيالية ، ولكننا أدركنا في لحظتها أنه يحاول تدميرنا، لذا رفضنا مطالب الصندوق،رغم أنها كانت مسألة صعبة لأن 80% من الاقتصاديين يعتمدون على التجارة وحينها كانت عملتنا بلا قيمة، إلا أننا صمدنا، وأعدنا هيكلة الديون، وواجهنا الخطوات التي كانت ضدنا، وفي النهاية تمكنا من الصمود في مواجهة تحديات مطالب صندوق النقد.  

روسيا

في نهاية عام 1991م بدأت في روسيا في اتخاذ قرار الاقتراض من صندوق النقد الدولي من أجل الانتقال السريع إلى اقتصاد السوق عن طريق ما يسمى بــ ” روشتة صندوق النقد الدولي”، حيث رفع الدعم وتحرير الأسعار وخصخصة ممتلكات الدولة وإعادة النظر في الضمانات الاجتماعية للمواطنين، ومع بداية العام الجديد 1992م  بدأت بتحرير نحو 90% من أسعار التجزئة والجملة، وتحرير التجارة الداخلية والخارجية، مع تراجع الإنتاج الصناعي بنسبة 18%، وارتفاع أسعار السلع 26 مره عما كانت عليه، ومع انخفاض الإنتاج وارتفاع معدلات التضخم أدى ذلك إلى أزمة كبيرة، فاضطرت الشركات إلى أن تتعامل بالمقايضة مع معاناة المواطنين من تدهور المستوى المعيشي وضياع مدخراتهم المودعة وانخفاض قيمتها بشكل كبير، ولم تنفذ الإصلاحات المفترض القيام بها وفقاً لتقرير الإذاعة البريطانية، رغم وصول القروض إلى 20 مليار دولار .

العراق 

جاءت العراق في أواخر الدول التي وقعت على قرض صندوق النقد الدولي، بسبب العجز الكبير في موازنة البلاد العامة لسنة 2016 جراء انخفاض أسعار النفط وعدم قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها المالية، رغم انتقاد الكثير من الخبراء في ذلك الوقت للحكومة العراقية لهذا القرار الذي وصوفوه بأنه باب من أبواب الفساد، ولكن الحكومة لم تتعامل مع الرأي العام بشفافية ووضوح لإنهاء هذا الجدل في شأن الشروط التي فرضها الصندوق، كإعتماد فرض الصندوق عدة شروط ليوافق على منح العراق أى قرض، منها اعتماد مشروع جديد لقانون اﻹدارة اﻟﻣﺎﻟﻳﺔ وتطبيق ﺣﺳﺎب اﻟﺧزاﻧﺔ اﻟواﺣد، بالإضافة إلى الكشف عن حجم المستحقات للمقاولين المحليين وتقديم حسابات تفصيلية عن الرعاية الاجتماعية والبطاقة التموينية، فضلا عن التوقف عن أية تعيينات جديدة باستثناء قطاعات الصحة والتعليم والأمن وتشديد الرقابة على غسيل الأموال، وشدد على خفض النفقات الجارية والأجور المرتفعة وتوسيع القاعدة الضريبية للأجور، بالإضافة إلى حماية الاستثمارات النفطية لأهميتها فى تمويل معظم الإنفاق العام، في مقابل اقتراضها 15 مليارات و340 مليون دولار على مدار 3 سنوات، ورغم معاناة العراق من نقص حاد فى الخدمات خاصة الكهرباء والماء إلا أنه تم زيادة تسعيرة الكهرباء فضلا عن اقتراح وزارة المالية فرض ضرائب على رواتب الموظفين.

مؤشرات

خـــبراء…. قال الدكتور فخري الفقي، مساعد المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي سابقاً، إن الحصول على قرض من صندوق النقد ليس حلاً للخروج من الأزمة الاقتصادية، وإن كان حلاً فسيكون بطيئاً، حيث أن القروض ما هي إلا زيادة لمديونة الدولة، لأنها تغطي العجز المالي فترة قصيرة جداً، إذا لم تضع الدولة حلولاً حقيقية لإنهاء الأزمة، كإتباع سياسيات اقتصادية صحيحة ، فلا يمكن لدولة أن تعيش على المنح والقروض.

وذكر الخبير الاقتصادي، محمد رضا، إن قرض صندوق النقد سيتحكم في خطط الحكومة الاقتصادية حتى تنتهي من سداد الديون والفوائد، مما يؤثر على تصنيف اقتصاد الدولة، فهناك حلول الكثيرة للخروج من الأزمة التي لا تنحصر فقط في الاقتراض والديون، مثل فتح باب الصناعة وزيادة الاستثمار والإنتاج. 

وأضاف دكتور عبد العال الطيب، أستاذ التمويل بكلية تجارة، أنه من أهم توابع قرض الصندوق أنه سيكون أكثر تأثيراً على المواطن، نظراً لأنه يستلزم رفع الدعم بشكل تدريجي حتي يتلاشى، فضلاً عن ارتفاع الأسعار وفقدان العملة كثيراً من قيمتها وخصوصاً في حالة اعتماد الدولة على الاستيراد فلن يتحسن وضع العملة، مما يؤدي إلى زيادة التضخم وتدهور النظام الضريبي.

 وأوضح الخبير الاقتصادي عمر الشنيطي، إن الاقتراض من صندوق النقد الدولي، ليس مهمة سهلة لأنه يتطلب التزام الحكومة ببرنامج الإصلاح الاقتصادي القاسي، لذا يجب على الحكومة الفهم الصحيح لمتطلبات الصندوق ووضع برنامج الإصلاح، حيث يتضمن البرنامج المطلوب من مصر “على سبيل المثال”.. أربعة أعمدة رئيسية، الأول هو رفع الدعم عن طريق زيادة أسعار الطاقة ، وكذلك تكاليف الخدمة العامة ، والثاني هو تطبيق القيمة المضافة لتحل محل ضريبة المبيعات السابقة، فضلاً عن قانون الخدمة المدنية الجديد الذي يقلل الرواتب الحكومية كنسبة مئوية من ميزانية البلاد، والثالث هو تطبيق نظام سعر الصرف المرن ليعكس القيمة الحقيقة للجنيه، والرابع هو خصخصة بعض الشركات والبنوك المملوكة للدولة لزيادة الإيرادات الحكومية.  

 

لذا فإنه ما يعانيه العالم بشكل عام من أزمات اقتصادية خانقة ليس قاصراً على دول بعينها حيث، تعاني منها الدول الكبرى قبل الصغرى والقوية قبل الضعيفة والمتقدمة تكنولوجيا قبل المتخلفة، والغنية قبل الفقيرة، ولكن دائماً ما نبحث عن الحل الأسلم اقتصادياُ وسياسياً لأي دولة، دون الوقوع تحت بند الاتفاقيات أو قوائم شروط تلزمنا بسياسات معينة،أو وضع برامج وخطط لابد من تنفيذها، حيث توجد حلول اقتصادية بديلة عن المنح والقروض تتناسب على حسب اقتصاد كل دولة، وما يجب عليها، هناك دول تعتمد على التصدير ولا تنتج، وهناك دول لا تستصلح أراضيها ولا تهتم بالصناعة، وهناك دول تتبني أنظمة اقتصادية معنية، ولكن لاتزال توجد الحلول الاقتصادية الحكيمة التي تنقذ الدولة من أزماتها دون التعرض لأي ضغط اقتصادي أو سياسي من جانب الدول المدينة لها.