الاقتصاد من الابرة للصاروخ (3) | خطواتك الأولى نحو فهم الاقتصاد

العنوان: خطواتك الأولى نحو فهم الاقتصاد

المؤلف

د. جاسم سلطان من مواليد 1953 وهو كاتب ومحاضر، يرأس حاليًا مؤسسة تنمية للدراسات والاستشارات، ويعمل كمستشار استراتيجي للعديد من المؤسسات،  وهو مؤسس مشروع “النهضة ” والذي يهدف لإعداد كوادر شبابية مؤهلة معرفيًا؛ لتحقيق النهضة المجتمعية المطلوبة، الكتاب الذي أمامنا هو الكتاب السابع من سلسلة إعداد القادة.

يهدف الكتاب لأن يضع بين يديْ القارئ المفاتيح الأساسية والمبسطة جدًا لفهم عالم الاقتصاد الرحب، فلا ينكر أحدٌ أن الاقتصاد هو علم قائم بذاته له علماؤه المشتغلون به،  ولكننا نواجه في صفحات الجرائد وعلى شاشات التلفاز مصطلحات ومفاهيم اقتصادية لا يسعنا الجهل بها في ظلّ عالم شديد التسارع المعرفي، فكان الهدف الأساسي من الكتاب؛  أن يُلمَّ الفرد العادي بالمفاهيم الاقتصادية التي يشتبك معها في حياته اليومية عن طريق أسلوبٍ بسيطٍ ومن دون تعقيد فهو يمهد السبيل لمن يريد أن يستزيد من بحر الاقتصاد، عبر عدّة عناوين رئيسية.

1- علم الاقتصاد

عن طريق أسلوبٍ حواريٍّ لطيف يفتتح الكاتب هذا الجزء، ليتكلم عن أهمية علم الاقتصاد وتعريفه، فالعلوم الانسانية نشأت بعد الخبرة الإنسانية، فعلوم الحروب لم تسبق الحروب البشرية وعلم السياسة نشأ بعد ممارسات الإنسان السياسية؛ وكذا علم الاقتصاد فالعلم يأتي كمدوّن للخبرة الإنسانية محاولًا استخلاص القوانين الحاكمة للسلوك البشري.

فبعد أن نشر آدم سميث كتابه “ثورة الأمم”  عام 1776 بدأ علم الاقتصاد يثقل بذاته تدريجيا عن علم السياسة، فطوال قرون عدة كانت الممارسة الاقتصادية بسيطة ولم تتشابك اقتصاديات الدول وتتداخل أنظمتها إلا في العصر الحديث، فعلم الاقتصاد يهدف لدراسة الظواهر الاقتصادية ومحاولة تفسير سلوك الوحدات الاقتصادية ( الأفراد،  الأُسر، المؤسسات،  الحكومات) من خلال آليات معينة وضوابط وأدوات تحليلية محاولًا استخلاص القواعد الحاكمة للسلوك الاقتصادي، ويركز هذا الجزء على توضيح طبيعة القوانين الخاصة بالعلوم الإنسانية وأنواع الاقتصاد المختلفة (جزئي،  كلي)، عناصر الإنتاج (العمل، الطبيعة، رأس المال) والدورة الاقتصادية.

2-  نشأة الاقتصاد:

يستعرض هذا الجزء الرحلة من بدايتها في الغرب الأوروبي أبو الاقتصاد المعاصر، في البدء كان) السيد والعبد) في نظام العبودية القديم فالإنسان يؤسر في الحرب فيصبح سلعة تباع وتشترى ويُستخدم هو نفسه لسداد الديون أو يكره على العمل لصالح سيده، ومن بعد ذلك حلّ (الملّاك والفلاحون) محلّ (السيد والعبد)، فالملك يوزع الأراضي على النبلاء كإقطاعيات فتصبح الأرض وما فوقها من بشر ملك النبيل ويورثها لمن بعده، لم يكن الفلاح يتقاضى أجرًا نظير عمله فهو يعمل ليأكل، فطبقة المُلاك  (المَلك، النبيل، الكنيسة) هم أصحاب الملكية في المجتمع وليس للفقراء من الأمر شيء. ففي عصر الإقطاع يعتمد الملك على النبلاء لتمويل الدولة ويعتمد النبيل على الفلاحين العاملين بأرضه.

باكتشاف الأمريكتين الشمالية والجنوبية واكتشاف طرق جديدة للتجارة، بدأ عصر التحول للرأسمالية في القرن الخامس عشر، وتوافدت على الموانئ الأوربية السفن التجارية والموانئ بالطبع تحتاج إلى عمالة جديدة تدير شؤونها، وبدأ الفلاحون بالفرار من الإقطاعيات وتحولت الموانئ إلى مدن وتحوّل العامل البسيط إلى تاجر كبير، وتحررت عناصر الإنتاج فالعامل لم يعد خاضع لغيره فأصبح يأخذ أجرًا نظير عمله وأصبحت الأرض سلعة تباع وتشترى بعد أن هجرها الفلاحون، وحرِّر رأس المال وصعدت طبقة جديدة؛ هي الطبقة الوسطى من التجار”البرجوازية” واعتمد عليها الملك بعد أن أصاب الفقر النبلاء وتشكل عصر الرأسمالية تدريجيا منذ القرن السادس عشر.

3-  الأطروحات الكبرى في الاقتصاد

استخدم هنا د. جاسم سلطان أسلوبًا طريفًا لشرح الأطروحات الاقتصادية الثلاث الكبرى، فلكَ أن تتخيل ثلاثة وجوهٍ: الأول مبتسمٌ، الثاني غاضبٌ منزعجٌ، والأخير تبدو ملامحه معتدله.

فأما الأول المبتسم؛  فيمثل “آدم سميث” أبو الاقتصاد الحديث، ولقد عُرفت فترته “بالرأسمالية المتفائلة” فدعا إلى إطلاق الحريات في عمليات البيع والشراء دون أيّة قيود، حيث كان يعتقد أن السوق قادر على أن ينظم نفسه بنفسه؛ فالسوق هو من سيحدد الكميات المنتجة من السلع وفق ما يطلبه المجتمع من دون تدخل الدولة.

والوجه الغاضب؛ هو” كارل ماركس” مؤسس الشيوعية وعدو الرأسمالية الذي هاجمها بشراسة طوال مسيرته، فاعتبر كارل ماركس الآلة هي العدو اللدود للعامل في حين أن آدم سميث رأى أنها هي وسيلة زيادة الثروة،  إذ يمكن تقسيم العمل ومن ثم زيادة الانتاج، وهذا ما جعل ماركس يهاجم الرأسمالية بكل قوّة فكان يراها سحقا للطبقة العاملة التي لا تحصل على القيمة الكاملة لعملها، وطغيانًا لطبقة الرأسماليين من أصحاب المصانع، فهي وقود الصراع الطبقي، ففي الأزمات الاقتصادية الطاحنة وفترات الركود الاقتصادي يرافقها تدمير لرؤوس الأموال المتراكمة فتغلق المصانع وتتضرر قطاعات إنتاجية وبالتالي يُعصف بالطبقة العاملة وتسرح نسبة كبيرة من العمال.

الوجه المعتدل؛ هو “جون كينز” الإنجليزي، صاحب “النظرية الكنزية” وصوت الرأسمالية المعتدل، وجاءت آراؤه كرد فعل على الكساد العظيم الذي ضرب الولايات المتحدة الأمريكية في 1929م، فرأى ضرورة تدخل الدولة لضبط الاقتصاد وأن لا مفر من هذا التدخل بشكل لا يُخِل بالحرية الفردية، ففي حالات الركود التي تضرب الاقتصاد سيحتاج السوق لتنشيط وهنا يأتي دور الحكومة من خلال السياسات الضريبية والسياسات النقدية والمالية  فالدولة تستطيع أن تتحكم في الدورة الاقتصادية وتضبط السوق.

4-  الناتج القومي GNP

يسعى هذا الجزء من خلال أسلوب الكاتب الحواري المعهود إلى التعريف بالناتج القومي الإجماليGross National Product   كأحد المؤشرات الدالة على قوّة وضعف الاقتصاد، فيخبرنا أحدهم مثلا؛ أن الاقتصاد في تحسن بدليل أن” GNP” الحالي أفضل من العام السابق، ويطرح الكاتب الطريقة التي يمكنها أن نفرق بها بين الناتج القومي الإجمالي الجاري والحقيقي، فالجاري لم تحذف منه نسبة التضخم فنقوم ببعض العمليات لمعرفة الناتج القومي الحقيقي، ونستخلص نصيب الفرد من الناتج القومي بقسمة إجمالي الناتج القومي للدولة على عدد أفرادها فيمكننا معرفة تحسن الاقتصاد من خلال زيادة نصيب الفرد من الناتج القومي مع مراعاة الزيادة السكانية التي يمكنها أن تلتهم معدلات النمو الاقتصادي.

وكذلك يجب طرح سؤال مهم، وهو كيفية توزيع الناتج القومي على شرائح المجتمع المختلفة وهو ما يجيب عليه الكاتب بسهولة ويسر، ويكمل هذا الجزء بتوضيح طريقة تكون الناتج القومي الإجمالي GNP””  من خلال الروافد الأربعة (تيار البيوت، المستثمرون، الحكومة، التجار الأجانب)، وما هي التنمية وشروطها والنظريات المختلفة لها (نظرية الدفعة القوية، نظرية التنمية المتوازية،  نظرية التنمية الغير متوازنة)

يصحبنا الجزء الأخير من الكتاب في جولة حول موضوعات متفرقة ومهمة عن البنوك، النقود والبورصة، فيجيب عن عدّة تساؤلات هامة :  كيف وصلت النقود إلى شكلها الحالي؟ كيف تجاوز العالم نظام المقايضة والتعامل بالذهب والفضة؟  متى بدأ استخدام الأوراق المالية وكيف؟
يتناول أيضًا مفهوم البورصة وكيف نشأت وكيف تطورت بدءًا من القرن الخامس عشر وعائلة “فان دِر بورصن” والتي اكتسبت سوق الأوراق المالية اسمها منها- وصولًا إلى البورصة في وقتنا الراهن متناولًا فوائدها وطبيعتها ومخاطرها.

يختتم الكاتب موضوعاته بإعادة الإشارة للرسومات التوضيحية التي تناولها خلال صفحات الكتاب مذكرًا القارئ بمحتويات النقاط التي تناولها، أهم ما يميز هذا الكتاب أسلوبه البسيط جدًا الخالي من التعقيدات التي تحول دون قراءة الكتب الاقتصادية بالإضافة إلى تدرجه في الطرح والتوضيح، فهو من أهم الكتب المرشحة بقوّة لكل من يريد البدء في التعرف على علم الاقتصاد.