إسهامات اقتصادية (2) | بول سامويلسون – اقتصادي متعدد الاهتمامات

هذه السلسلة من المقالات التي أعطيناها عنوان “إسهامات اقتصادية” ستعنى بتقديم الاقتصاديين الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد بترتيب حصولهم على الجائزة. ونهدف من خلالها محاولة تقريب أكثر النظريات الاقتصادية تعقيدا في قالب بسيط وغير تقليدي. ونأمل في أن تنال إعجابكم.

من هو بول سامويلسون Paul Samuelson؟

قال عن نفسه: ” لقد ولدت من جديد، ولدت كاقتصادي الساعة الثامنة صباحًا يوم 2 يناير1932 في أروقة جامعة شيكاغو” (1)

      ولد بول سامويلسون Paul Samuelson في ولاية أنديانا عام 1915 ثم انتقلت عائلته إلى شيكاغو بعد ذلك بفترة قصيرة، التحق بجامعة شيكاغو بقصد التخصص في الرياضيات. لكنه التحق دورة دراسية في الاقتصاد، ليدرك من خلالها كيف يمكن للرياضيات أن تحدث ثورة في طريقة دراستنا لعلم الاقتصاد وذلك عن طريق استخدام الأساليب الرياضية في شرح الأفكار الاقتصادية. فهو يعتقد أنه إذا لم تُصاغ النظرية الاقتصادية بطريقة رياضية فلن تكون واضحة ومرتبة بشكل يسهل فهمه، وأن استخدام المعادلات الرياضية للتعبير عن النظريات والقوانين الاقتصادية سيزيدها وضوحًا ويمنحها مزيدًا من الدقة والمرونة.

يعتبر المختصون أن سامويلسون من أكثر الاقتصاديين تأثيرًا في النصف الثاني من القرن العشرين. فبفضله ازداد استخدام الأساليب الرياضية؛ (كالجبر، التفاضل والتكامل) في صياغة الأفكار الاقتصادية بشكل زاد من شعبية استخدامها بين طلاب الاقتصاد والأساتذة على حد سواء. فقد نظر سامويلسون للرياضيات على أنها أداة تُمكِّن المختصين من اختبار النظريات الاقتصادية بشكل عملي عن طريق صياغة النماذج الاقتصادية.

فاز بمنحة من مجلس بحوث العلوم الاجتماعية وأكمل دراسته العليا بجامعة هارفارد ثم نال درجة الدكتوراه في الاقتصاد عام 1941. بدأ سامويلسون يُدرس علم الاقتصاد في سن السادسة والعشرين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT، حيث أصبح أستاذًا للاقتصاد عام 1947 واستمر في التدريس هناك طول مسيرته المهنية.

أكمل سامويلسون إنجازاته المهنية بأن أصبح رئيس مجتمع الاقتصاد القياسي “The econometric society “ في عام 1951 ورئيس الجمعية الاقتصادية الأمريكية عام 1961. وفي عام 1970، فاز سامويلسون بجائزة نوبل في الاقتصاد عن كل أعماله في النظرية الاقتصادية ليصبح أول اقتصادي أمريكي يفوز بهذه الجائزة المرموقة.

اشتهر سامويلسون بكتاباته العديدة في العلوم الاقتصادية ومؤلفاته الرائجة ذات المبيعات المرتفعة التي جلبت له ثروة كبيرة، كما ساهمت في انتشار علم الاقتصاد بشكل مبسط وعلى مستوى واسع. فقد  كان سامويلسون واحدًا من العلماء القلائل القادرين على مخاطبة غير المتخصصين بأسلوب مبسط بشكل جعل عموده في مجلة Newsweek يحظى بشعبية كبيرة بين القراء من غير المختصين.

ويعد كتابه ” الاقتصاد –  the economics”  الذي تشارك في كتابته مع وليام نوردهاوس أحد أشهر كتبه، وتُرجِم لأكثر من 40 لغة من بينها العربية. يتكون الكتاب من 37 فصل مقسمة على 7 أجزاء، ويعرض فيه الكاتبان المفاهيم الأساسية لعلم الاقتصاد بشكل مبسط ومنهجي، حيث تطرق الكتاب إلى فروع الاقتصاد المختلفة كالاقتصاد الجزئي والكلى مرورًا باقتصاديات العمل، وانتهاءً بالتجارة الدولية.

عالم اقتصادي ذو اهتمامات متعددة  

كتب سامويلسون تقريبًا في كل الموضوعات الاقتصادية، ولكن أكبر اهتماماته كانت:

  • دراسة سلوك المستهلكين.
  • الاقتصاد الكلي.
  • التجارة الدولية .

سلوك المستهلك: من النظرية إلى التطبيق

باتباع مبادئ منهاجيته الرياضية حاول سامويلسون جعل فرضيات الاقتصاد الجزئي قابلة للاختبار. فقد حوَّل سامويلسون نظرية تفضيلات المستهلك من كلام نظري مبني على افتراضات نظرية غير مثبتة إلى نظرية قابلة للقياس.

دعونا نأخذ مثالًا لنفهم ذلك.

نظرية سلوك المستهلك هي إحدى أهم نظريات الاقتصاد الجزئي، وتهدف لدراسة الكيفية التي يتخذ بها الأفراد قراراتهم (سلوكهم الاقتصادي) عندما يشترون سلعًا لاستهلاكها، من هنا جاء الاسم : نظرية سلوك المستهلك، أي النظرية التي تهدف لفهم سلوك المستهلك (قراراته) عندما يشتري السلع والخدمات:

تقوم نظرية سلوك المستهلك على الفرضيات التالية:

  • المستهلك يختار(يشتري) السلع التي تحقق له أكبر منفعة، بالاصطلاح الاقتصادي نقول “يهدف المستهلك إلى تعظيم منفعته”.
  • يختار المستهلك بين مجموعة من السلع المتوفرة في السوق حسب ذوقه، فيختار السلعة التي تحقق له أكبر قدر من المنفعة.
  • يخصص المستهلك ميزانية محدودة (أو دخلًا محدودًا بلغة الاقتصاديين) عندما يريد شراء سلعة ما، فلا يستطيع تجاوزها.

ينتج عن هذه الافتراضات النتيجة التالية:

  • أن المستهلك يختار السلع التي تحقق له أكبر منفعة في حدود دخله المتاح؛ فإذا ذهبت إلى محل بيع الأحذية ومعك 20 دولارًا لتشتري حذاءً فستختار أفضل حذاء تجده على ألا يتجاوز ثمنه 20 دولارًا.
  • أن المستهلك له تفضيلات، فهو يفضل سلعًا على بعضها؛ فإذا ذهبت إلى مقهى مثلًا فأنت تفضل القهوة على الشاي، والشاي على عصير البرتقال وبالتالي تفضل القهوة على عصير البرتقال.

تفسر هذه النظرية سلوك المستهلك بناءً على تفضيلاته، فإذا وجب عليه الاختيار بين العديد من السلع فسيشتري السلعة التي يفضلها، على ألا يتجاوز الدخل المتاح له.

الإضافة التي قدمها سامويلسون تكمن في أنه خرج من الكلام النظري، بحيث أعطى طريقة لاختبار نظرية التفضيلات هذه، وسماها نظرية التفضيلات المعلَنَة. ترتكز هذه النظرية على ملاحظة سلوك المستهلكين عمليًا لفهم تفضيلاتهم.

فإذا عرضنا على مستهلكٍ ما سلعتين بنفس الثمن (حذاء أسود وحذاء بني اللون) ولاحظنا أنه اختار الحذاء الأسود فهذا يدل على أنه يفضل الحذاء الأسود عن الحذاء البني. بهذه الطريقة (ملاحظة سلوك المستهلك عملًيا) يمكن للاقتصاديين استنتاج ما يفضله المستهلكون. هكذا أثبت سامويلسون أنه يمكننا استنتاج تفضيلات المستهلكين بملاحظة إنفاقهم (السلع التي يشترونها هي السلع التي يفضلونها، إذا تساوت الأسعار طبعًا).

يمكننا أيضًا دراسة خصائص هذه التفضيلات، نأخذ مثالًا لأحد هذه الخصائص: خاصية اتساق التفضيلات.

هذه الخاصية مبنية على المبدأ الرياضي البسيط، والذي يمكن تلخيصه بالطريقة التالية:

  • إذا كانت قيمة X أكبر من قيمة Y
  • وقيمة Y أكبر من قيمة Z

فالنتيجة المنطقية هي أن العدد X أكبر من العدد Z.  نعطي الآن القيم أعداد حقيقية ونلاحظ منطقية هذه النتيجة:

  • إذا كانت قيمة X أكبر من قيمة Y: X=10 وY=8 (أو أي عدد آخر أصغر من 10)
  • وقيمة Y أكبر من قيمة Z: Y=8 وZ=6 (أو أي عدد آخر أصغر من 8)

فالنتيجة المنطقية هي أن العدد X أكبر من العدد Z. أي أن 10  أكبر من 6.

لنمر الآن من لغة الرياضيات إلى لغة الاقتصاد ونعطي مثالًا تطبيقيًا:

لنعتبر أن مستهلكًا يواجه مجموعة من السلع تباع بنفس السعر ولتكن السلع هي: (السلعة أ، السلعة ب والسلعة ج) نلاحظ قرارات المستهلك لنجد أن المستهلك يقوم:

  • بشراء السلعة أ بدلا من السلعة ب: بما أن للسلعتين نفس السعر، ولأن الفرد دائمًا يسعى لتحقيق أعلى منفعة شخصية ممكنة، فهذا يعني أن السلعة أ تحقق لهذا المستهلك منفعة أكبر من المنفعة التي تحققها السلعة ب. وبالتالي نقول إن المستهلك يفضل السلعة أ على السلعة ب.
  • بشراء السلعة ب بدلًا من السلعة ج: بنفس المنطق، نقول إن المستهلك يفضل السلعة ب على السلعة ج.
  • السؤال هنا، إذا كان المستهلك يفضل السلعة أ على السلعة ب، ويفضل السلعة ب على السلعة ج. فما الذي سيختاره المستهلك إذا عرضت عليه السلعة أ والسلعة ج. بالطبع من الواضح جدًا ومن المنطقي أن السلعة أ مفضلة عند المستهلك على السلعة ج (لأن السلعة أ أفضل من السلعة ب، والسلعة ب أفضل من السلعة ج، فمن المنطقي أن تكون السلعة أ أفضل من السلعة ج).

يمكننا توضيح هذا المثال بجدول بسيط:

مثال عن تفضيلات المستهلك

هذا الكلام النظري يمكن تبسيطه بشكل كبير إذا ما ركزنا على ملاحظة سلوك المستهلكين وجمع بيانات كافية عنهم ثم استخدام الرياضيات للتعبير عن تفضيلاتهم بشكل أبسط، مما يُظهر لنا دور الرياضيات الكبير في التعبير عن النظريات الاقتصادية التي تبدو معقدة جدًا إذا حاولنا الحديث عنها باستخدام الكلمات فقط.

يمكننا الآن اختبار هذه النظرية عمليًا، وإذا وجدنا أن هناك مستهلكين لا يملكون تفضيلات متسقة، فيجب علينا دراسة سبب ذلك ومراجعة النظرية.

سامويلسون والتجارة الدولية  

اهتم سامويلسون بموضوع حرية التجارة والحمائية (بمعنى فرض قيود على الاستيراد والتصدير) فأوضح سامويلسون أنه بالرغم من صعوبة هجرة البشر وانتقال رؤوس الأموال من دولة لأخرى بحثًا عن عائدات وربح أعلى. فإن تحرير التجارة الدولية سيؤدى إلى تساوي أسعار عناصر الإنتاج (أجور العمال، المواد الأولية …) في مختلف الدول في النهاية. سميت هذه النظرية بـ نظرية تعادل أسعار عوامل الإنتاج.

لتبسيط هذه النظرية، لنعتبر أن الطماطم تُنتَج يدويًا (من خلال المزارعين) في أمريكا وفرنسا. ولنعتبر أيضًا أن أجور العمال في أمريكا أعلى من مثيلاتها في فرنسا. هذا سيُمكِّن المصانع الفرنسية من صنع معجون الطماطم (الصلصة) بتكلفة أقل من نظيرتها الأمريكية؛ لأن الأجور في فرنسا أقل من الأجور في أمريكا. مما يجعل تكلفة صناعة معجون الطماطم في فرنسا أقل منها في أمريكا، وبالتالي ستستطيع المصانع الفرنسية بيعها بسعر أقل.

وفي حالة وجود تجارة حرة بين أمريكا وفرنسا فإن المستوردين الأمريكيين سيرفعون طلبهم على الصلصة الفرنسية لأنها أرخص. ونتيجة لذلك فزيادة الطلب على المنتج الفرنسي ستجعل العمال الفرنسيين يطالبون بأجور أعلى (لأن منتجهم يلقى رواجًا كبيرًا، والمصانع التي تشغلهم تحرز ربحًا كبيرًا).

وفي نفس الوقت يواجه منتجو الطماطم في أمريكا حالة من المنافسة الفرنسية ستدفعهم إلى تخفيض الأسعار. وبالتالي تقليل أجور العمال للتقليل من التكلفة. في النهاية، ترتفع أجور العمال الفرنسيين وتنخفض أجور العمال الأمريكيين لتتساوى (تتعادل) هذه الأجور مع الوقت نتيجة للتجارة الحرة بين البلدين.

مثال عن نظرية تعادل أسعار وسائل الإنتاج

سامويلسون ومنحنى فيليبس

 قدم سامويلسون بالاشتراك مع زميله في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، روبرت سولوRobert Sollow – والفائز أيضًا بجائزة نوبل للاقتصاد عام 1987 – منحنى فيلبس الشهير (الذي يوضح العلاقة بين البطالة والتضخم) وترجع فكرته إلى دراسة قام بها الاقتصادي والأستاذ بجامعة لندن أ، و. فيلبس عام 1958 بعنوان “العلاقة بين البطالة ومعدل الأجور النقدية في المملكة المتحدة خلال الفترة 1957-1861 ” وتوصل هذا الأخير إلى وجود علاقة عكسية بين معدل الأجور النقدية والبطالة خلال فترة الدراسة.

قام سامويلسون وسولو بتوضيح سبب هذه العلاقة. فالأجور تمثل جزءًا كبيرًا من التكلفة الكلية للإنتاج في الدول المتقدمة، ومن المعروف أن المنتجين يرفعون أسعار منتجاتهم إذا ارتفعت تكلفة الإنتاج.

من جهة، فانخفاض معدل البطالة يعني أن هناك طلبا كبيرا على العمالة في سوق العمل. ارتفاع الطلب هذا يزيد من معدلات الأجور. زيادة الأجور هاته (باعتبارها جزءًا من تكلفة الانتاج) سيترتب عليها زيادة في الأسعار، وبالتالي ارتفاع معدل التضخم.

من جهة أخرى، فإن ارتفاع معدل البطالة يجعل العمال يتنافسون أكثر على الوظائف، مما يجعلهم يقبلون أجورًا أقل. وعندما تقل الأجور، تقل التكاليف، ويخفض المنتجون أسعارهم وبالتالي ينخفض معدل التضخم. نلاحظ هنا أن هناك علاقة عكسية بين معدل التضخم ومعدل البطالة (إذا ارتفع معدل البطالة ينخفض معدل التضخم والعكس صحيح).

مثال عن العلاقة بين البطالة والتضخم

وبالنظر إلى بيانات الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة 1933-1958 وجد الاقتصاديان أن هذه النتيجة صحيحة عمليًا. وسميت هذه العلاقة باسم “منحنى فيلبس” حيث استخدمت على نطاق واسع في تحديد السياسة الاقتصادية للدولة، والمفاضلة بين محاولة خفض البطالة أو محاولة خفض معدل التضخم. حيث لا يمكن بأي شكل من الأشكال خفضهما معًا، فارتفاع أحدهما يعني ببساطة انخفاض الآخر.

خاتمة

تنوعت اهتمامات سامويلسون الاقتصادية كما وضحنا، إلا أن انجازاته الكبيرة في الاقتصاد الكلي والتجارة الدولية تظل أبرزها. مما أهلَّه ليكون واحدًا من أشهر وأهم الاقتصاديين في النصف الأخير من القرن العشرين.

    (1) http://www.economist.com/node/15127616 

المصادر