هجوم العمالقة | هل تنهي التجارة الإلكترونية حاجتنا إلى المجمعات التجارية ؟

هل بإمكانك أن تتخيل خلو الشوارع من المارة، ومرور السيارات في أوقات العمل فقط، وأنه بحلول المساء قد تستطيع سماع صدى صوتك إذا أطلقت صرخة مدوية بشوارع وسط العاصمة التي يخيم عليها الصمت؟!

لا تعجب، فبعد سنوات قليلة لن تجد مارة بالشوارع يتطلعون لواجهات المحلات من أجل شراء احتياجاتهم، هذا ما يتوقعه العالم بأسره في ظل التصاعد المتزايد للتجارة الإلكترونية، فالآن صار بإمكانك أن تجوب العالم للتسوق وأنت جالس في مقعدك أو مستلقٍ على سريرك، دون أن تضطر  إلى مواجهة حالات الطقس وازدحام المرور واكتظاظ المحلات التجارية.

بدلا من البحث عن مكان انتظار لسيارتك كل ما عليك فعله هو الدخول إلى أحد مواقع التسوق الإليكترونية عبر حاسوبك المحمول أو هاتفك الذكي، تتنقل بين أقسامه وممراته وتجد ما تريد بأفضل سعر؛ لتضعه بعدها في عربة تسوق خيالية تعتلي الشاشة، بدلًا من دفع عربة التسوق خلف زوجتك وهي تكتظ بما قل حجمه وغلا ثمنه لدرجة  ربما تسبب ضمورًا في عضلات يديك، ثم تدفع ثمن مشترياتك ببطاقتك البنكية لتصلك مشترياتك بعدها حتى باب بيتك أو لأي عنوان تختار، بل وقد تتمتع حتى بسياسة إرجاع مريحة تعطيك حرية إرجاع البضاعة إذا لم ترقك جودتها.

لكن ماذا قد يحصل للمحلات التجارية التقليدية؟

سقوط سيرز : بداية النهاية

إن الصورة التي ذكرناها في بداية المقال تبدو أقرب للحقيقة كل يوم، فقد أعلنت شركة سيرز (Sears Holdings Corp. SHLD)  عن إغلاق 72 متجرًا لها بالولايات المتحدة الأمريكية، وفقًا لما أعلنته جريدة وول ستريت فإن هذه الشركة تُعَدُّ رائدة تجارة التجزئة حول العالم، فقد بدأت نشاطها عام 1886 بمنتج واحد بعد أن استطاع Richard Sears شراء شحنة محملة بساعات مرصعة بالأحجار الكريمة بعد أن رفضت الجهات المسئولة استلام الشحنة، ثم تطورت هذه الشركة الوليدة لتشمل بيع منتجات عديدة وعلامات تجارية عالمية، مثل : Kenmore وDieHard وWhirlpool.

  أما عن متاجر الشركة فلم تقتصر على الولايات المتحدة الأمريكية فحسب بل بلغت المكسيك وكندا وحتى استراليا.

هذا المنتج الأخير Whirlpool والذي تقوم الشركة ببيعه منذ عام1916، لم تعد الشركة اليوم قادرة على بيعه نظرًا لفسخ التعاقد مع الشركة المنتجة، وذلك بعد إعلانها عجزها عن سداد ديونها بسبب انخفاض مبيعاتها مما اضطرها لإغلاق هذا العدد الكبير من الفروع.

هذه الشركة العملاقة التي بلغت أرباحها عام 2006 مبلغ 1.5 مليار دولار أمريكي بدأت تنخفض حتى بلغت عام 2010 صفر تقريبا، لتتكبد بعدها خسائر قدرها 10.4 مليار دولار في الفترة من 2011 حتى 2016 في الوقت الذي بلغ حجم الديون على الشركة 4.2 مليار دولار بنهاية يناير 2017.

sears net income
صافي أرباح شركة سيرز بين سنتي 2005 و 2016

المصدر: القوائم المالية للشركة كما استخرجها موقع INVESTOPEDIA

فما سبب هذا السقوط المدوي؟

 العمالقة الجدد : قطار أمازون الذي لا يرحم

وما كان لهذا العملاق أن يسقط وينخفض حجم مبيعاته بهذا الشكل المخيف، إلا لمولد عملاق جديد يدعىAmazon ، هذه الشركة التي تأسست عام 1994 من قبل جيف بيزوس والتي كانت مقتصرة على تجارة الكتب فقط حتى عام 1999 لتشمل بعدها كل ما يخطر ببالك من المنتجات، حيث تشمل مبيعاتها؛ الأجهزة الكهربائية، والهواتف الذكية، وألعاب الفيديو، والساعات، وحتى الملابس.. ويوجد لأمازون مواقع منفصلة لبيعها بالتجزئة في دول كالولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأيرلندا وفرنسا، كما تقدم أمازون خدمة الشحن الدولي لبعض البلاد الأخرى.

وحيث أنه لا سقف لطموح أمازون، فهي تطمح- مؤخرا- إلى ولوج أسواق جديدة بالتهام المنافسين الأكبر لها، فأعلنت سنة 2017 عن إتمام صفقة استحواذها على شركة (سوق. كوم) لتدخل سوق الشرق الأوسط من أوسع أبوابه.

كل هذا الطموح جعل أمازون عملاقا بحق، ويكفيك أن تعرف أن المنتجات المختلفة المعروضة عند أمازون تبلغ مئات الآلاف، مما جعل مبيعاتها عام 2016تصل إلى 136 مليار دولار؛ لتحقق صافي ربح يعادل 2.3 مليار دولار.

عودة إلى الوطن : مستقبل التجارة الإلكترونية في مصر

والحال في مصر ليس بمنأى عما يحدث في العالم، فالتجارة الإلكترونية سواء كانت من خلال مواقع الإنترنت أو من خلال البيع على مواقع التواصل الاجتماعي قد بلغت حدًّا لا بأس به، رغم انعدام وعي ما يزيد على 50% من الأسر المصرية بكيفية التسوق من خلال الإنترنت، لكن ذلك لم يمنع مواقع التجارة الإلكترونية من جذب ملايين المستخدمين خلال الخمسة أعوام السابقة.

وتقدر وزارة الاتصالات المصرية أن عدد مستخدمي الإنترنت في جميع أنحاء مصر يبلغ ٤٦٫٢ مليون شخص، وهو ما يمثل أكثر من ٥٤٪ من مجموع السكان، وتأتي مصر في المرتبة الرابعة عشر على مستوى العالم وفقًا لموقع internetlivestate.

وفي عام ٢٠٠٦ أطلق رائد الأعمال السوري رونالدو مشوار موقع سوق دوت كوم (Souq.com)، معلنًا بذلك بداية دخول التجارة الإلكترونية في دول يبلغ عدد مستخدمي الإنترنت فيها ١١٠ مليون شخص حسب التقديرات، وقد جذب هذا الموقع أكثر من ٦٫٢ مليون مستخدم مسجل ما بين بائعين ومشترين في ٥ دول، مما يمهد الطريق لانطلاق منصات أخرى.

في عام ٢٠١٢ قامت شركة روكيت إنترناشيونال بتكوين فريق من رواد الأعمال لإطلاق جوميا (Jumia)، وهو موقع للتسوق عبر الإنترنت لديه مستودعات (Warehouses) في ٩ دول من بينها مصر، وعلى الرغم من المنافسة القوية مع سوق دوت كوم استطاعت جوميا أن تؤسس قاعدة قوية من العملاء في مصر، وباستخدام حوالي ٣٠٠ موظف تمكنت الشركة من اجتذاب أكثر من 100.000 مستخدم وتوفير أكثر من60,000  منتج.

وتعد بيبي بونز (Babyboons) مثالًا لمنصة التجارة الإلكترونية التي استطاعت الانضمام إلى هذا السوق في عام ٢٠١٣، حيث تستهدف شريحة أمهات الأطفال حديثي الولادة، وقد تمكنت عدة منصات من العثور على مكان لأنفسهم، بينما لا يزال البعض الآخر في طريقه لذلك.

فلا تستغرب عزيزي القارئ أن تجد في المستقبل شوارع القاهرة خالية من المارة والسيارات، ليتحقق حينها حلمك في التنقل بين الهرم والتجمع خلال ثلث ساعة على الأكثر، فحتى أكثر خيالاتك جموحًا قد تغدو حقيقة.