هكذا تحدث الأشياء (1) | رحلة إلى جزيرة بلا نقود

هناك دومًا في مجتمعاتنا قضايا شائكة، مثيرة للجدل، نخشى الإفصاح عنها ومناقشتها. هي مناطق محرَّمة، محرِجة، يخشى الناس الاقتراب منها أو التفكير فيها حتى!
والمجتمع العلمي ليس استثناءً من هذه القاعدة، فهناك قضايا اقتصادية مهمة للغاية، ومع ذلك لا نجد لها ذكرًا إلا نادرًا.
تدور قصتنا اليوم حول أحد تلك الموضوعات الشائكة المحرجة!!

دخل الطفل ذو الثمان سنوات إلى المطبخ بخطى مترددة ثم قال لأمه المنشغلة بتحضير وجبة العشاء بصوت لا يكاد يُسمَع من شدة توتره.

  • أمي، أمي… هل يمكنني أن أسألك سؤالًا؟

ردت الأم – كعادتها وهي تستعد لأحد أسئلة الطفل التي تعودت على التعامل معها -:

  • أكيد، ما سؤالك؟

احمرَّ وجه الصبي خجلًا وهو يقول بصوت متقطع:

  • أريد أن أعرف… أعني… كيف تُخلق النقود؟

توقفت الأم عما كانت تقوم به وقد احمرَّ وجهها خجلًا، ودار الحوار التالي:

  • امممم … لا زلتَ صغيرًا على معرفة هذه الأشياء!
  • لكن… لماذا؟
  • همم … لأنك… ولأنه… )بلهجة غاضبة(… اذهب واسأل أباك!

ذهب الطفل لأبيه وسأله نفس السؤال… حدَّق الأب في الفراغ لبرهة وهو يفكر ثم قال:

  • اجلس، سأحكي لكَ حكاية.
  • حكاية خلق النقود؟ – رد الطفل بحماس شديد –
  • نعم، حكاية خلق النقود.
  • هيييه (وقفت الأم من بعيد تستمع أيضًا لما سيقوله الأب لحساسية الموضوع)

يستيقظ أحمد وهو يشعر بألم شديد في جسمه كله، يلتفت يمينًا ويسارًا فيجد نفسه في شاطئ في مكان منعزل، يحاول تذكر ما حدث فيشعر بصداع شديد ثم يذكر مشاهد متقطعة وهو في الطائرة… إعلان الربان عن توقف أحد المحركات.. أصوات صراخ الناس ودعائهم.. يحاول بصعوبة فهم ما حدث فيصل إلى استنتاج مرعب: لقد سقطت الطائرة التي كان يركبها في رحلة العمل الأخيرة، وقد حملته الأمواج إلى هذا المكان المنعزل بعد ارتطامها بالبحر. فما العمل يا ترى؟

بعد ساعاتٍ، خفَّ الصداع والألم قليلًا، وبدأ أحمد في استيعاب الموقف. هو الآن في جزيرةٍ منعزلةٍ، لا أحد برفقته، وبالتالي يجب أن يجدَ طريقةً كي يبقى على قيد الحياة حتى تأتي النجدة.

بعد أيام، كان أحمد قد وجد عين ماءٍ عذبةٍ صالحةٍ للشرب، وبعض الأشجار كثيرة الثمر، وكهفًا صغيرًا ينام فيه. أحمد الآن يلبي كل حاجاته معتمدًا على نفسه فقط!

يسمي الاقتصاديون عادة هذه الحالة بـ”اقتصاد الكفاف”. ففيها يلبي كل شخص حاجاته الأساسية بنفسه ودون الحاجة إلى مساعدة أحد. لكنها طبعًا حالة غير فعالة على الإطلاق. فالفرد الواحد لا يملك إلا مجموعةً من المهارات التي اكتسبها مع مرور الوقت. في هذه الحالة، يجب على الفرد التضحية بالرفاهيات، فلا يملك الوقت الكافي ولا المهارات المطلوبة إلا لتلبية جزءٍ بسيط من حاجياته الأساسية (طعام، شراب، ملبس، مسكن).

بعد أشهر، وبفضل اعتماده الكامل في الأكل على الثمار، أصبح أحمد خبيرًا في تسلق الأشجار وقطف ثمارها، وفي معرفة أنواع الثمار وخصائصها، ومعرفة الصالح منها للأكل من غيره. لقد أصبح أحمد متخصصًا في جمع الثمار.

في أحد الأيام، سمع أحمد صوتًا غريبًا لشيء يتحرك بين الحشائش. حمل حجرًا يحتمي به إذا كان الصوت مصدره حيوانًا مفترسًا (والظاهر أن مكوثك وحيدًا في جزيرة نائية يؤثر بالسلب على قدراتك العقلية. فكيف لحجرٍ أن يحميه من هجمة دب مفترس مثلًا!؟). اقترب من مصدر الصوت وضربات قلبه تتعالى بعد كل لحظةٍ ترقبًا وخوفًا، وحينها كانت المفاجأة؛ إنه شخصٌ آخر!

نعم، فلم يكن أحمد الشخص الوحيد على الجزيرة. فقد كانت هناك قبيلة بدائية مكونة من حوالي مئة شخص تسكن في مركز الجزيرة. تحدث أحمد مع الشخص لبعض الوقت، فاكتشف أن اسمه خالد، وأنهم يرحبون به للعيش مع قبيلتهم في مساكنهم البسيطة إلى أن يجد وسيلة تعيده إلى موطنه.

كانت القبيلة تلبي حاجاتها بطريقةٍ تقترب من حياتنا اليوم. ففي القبيلة متخصصون في الزراعة يزرعون بعض المحاصيل كالقمح والخضر(مزارعون)، ومتخصصون في صيد الأسماك، وصيد الحيوانات، وتحويل جلود الحيوانات إلى ملابس (كالخياطين الذين نعرفهم)، وآخرون في جمع الحشائش اليابسة وأغصان الأشجار الجافة للتدفئة. كان أعضاء القبيلة يقومون بما يشبه المهن هذه الأيام، كل واحدٍ ينمي مهارة ما تساعده على العيش ليصبح متخصصًا فيها.

وفي نهاية كل يوم كان الجميع يجتمع في ساحة كبيرة ويتبادلون منتجاتهم فيما بينهم. فإذا احتاج صياد السمك بعض الحطب للتدفئة يبحث عن الحطاب ويعرض عليه أن يبادل بعضًا من السمك مقابل بعض الحطب.

يسمي الاقتصاديون الطريقة التي تقوم بها هذه القبيلة لتلبية احتياجاتهم؛ باقتصاد التبادل. حيث يتخصص كل فرد في مهنة معينة ويتقنها بشكل جيد، ثم يقوم بإنتاج سلعة ما يحتفظ بحاجته منها ويبادل ما تبقى لديه مقابل ما يحتاجه في مكان يسميه الاقتصاديون بـ: السوق.
أما عن الطريقة التي يبادل الناس سلعهم بها فيسميها الاقتصاديون: المقايضة.

بعد مرور أسبوعين، اكتشف أحمد مشكلة كبيرة يعاني منها أفراد هذه القبيلة، فذهب إلى قائد القبيلة ليعرض عليه المشكلة وحلها. فجمع قائد القبيلة أكثر الناس المعروفين بالحكمة فيها وكوَّنوا مجلسًا يسمع المشكلة التي يريد أحمد عرضها وليقيِّموا الحلَّ الذي يقترحه أحمد. على أساس أن يكون اجتماع المجلس مساءً.

عندما حان موعد المجلس، شكر أحمد الحاضرين على استقباله وعلى اهتمامهم بما يريد أن يعرضه عليهم ثم قال:

  • الطريقة التي تقومون من خلالها بمبادلة سلعكم غير فعَّالة على الإطلاق. فالمقايضة ينتج عنها مشكلتان أساسيتان:

المشكلة الأولى؛ أنه في كل مرة أريد فيها مبادلة الثمار التي أقطفها مقابل سلعة أخرى يجب أن يريد من يملك هذه السلعة الثمار التي لدي كمقابل. فإذا أردت أن أبادل ثماري الزائدة عن حاجتي مقابل الأسماك فيجب أن يريد الصياد ثماري. فإذا كان لا يحب أكل ثمار الأشجار الموجودة في الجزيرة فسيرفض مقايضة بعض أسماكه مقابل ثماري. وبالتالي يجب عليَّ أن أبحث عن صياد سمك آخر يريد أن يبادل أسماكه بثماري. وفي بعض الأحيان قد لا أجد صيادًا واحدًا يريد ثماري. فلا أستطيع أن أحصل على السمك الذي أريده.

المقايضة طريقة غير فعَّالة، لأنَّ إتمام عملية المقايضة يستوجب أن يريد كل واحد من الطرفين ما يملكه الآخر. وإذا لم يتحقق هذا الشرط، فلا يمكن لعملية المقايضة أن تتم. وهذه فعلًا مشكلة كبيرة

(ينظر الحاضرون إلى بعضهم وهم يهزون رؤوسهم بطريقة توحي بأن المشكلة موجودة فعلًا وأنهم يعانون منها كل يوم)

يعترف الاقتصاديون بوجود هذه المشكلة في المجتمعات البدائية التي كانت تعتمد على المقايضة. ويطلقون عليها اسم: الحاجة إلى صدفة ازدواج الاحتياجات. أي أنه لا بدَّ أن تتوفر لدى كل طرف من طرفي عملية المقايضة الحاجة إلى ما يمتلكه الطرف الآخر.

يكمل أحمد حديثه قائلًا:

أما المشكلة الثانية؛ فهي أنه حتى إذا وجدت صياد سمك يحب الثمار التي معي ويريد مبادلتها ببعض سمكه. فإنه من المرهق جدًا القيام بتحديد قيمة الثمار والسمك. فكم ثمرة يجب أن أعطيها الصياد مقابل كل سمكة؟.. سنقضي وقتًا طويلًا في تحديد الكمية التي ستتم مقايضتها من كل سلعة.. وهذا أمر مرهق.

 فلا طريقة لدينا تُمكِّنُنا من الاتفاق على قيم السلع الذي نريد مقايضتها. فيجب علينا تحديد قيم السلع مع كل عملية مقايضة، وطبعًا القيم التي يُقدِّرُها كل واحد منا للسلعة هي قيم شخصية وغير موضوعية. فأنا أعلم الجهد الكبير الذي يتطلبه جمع الثمار فأعطيها قيمة كبيرة. لكن البعض يرى أن جمع الثمار عملية سهلة للغاية – وهي ليست كذلك – فيعطون ثماري قيمة قليلة جدًا. وهنا يحدث الخلاف الذي أعاني منه كل مرة أريد فيها القيام بالمقايضة.

(وعلى نفس المنوال، ينظر الحاضرون إلى بعضهم وهم يهزون رؤوسهم بطريقة توحي بأنهم يعانون أيضًا من وجود هذه المشكلة كل يوم)

يعترف الاقتصاديون بوجود هذه المشكلة أيضًا، فعند استخدام المقايضة للتبادل، لا توجد أي طريقة موضوعية وموحدة لتحديد قيم السلع. فلكل سلعة سعر نسبيِّ. والسعر النسبيِّ يعني قيمتها مقابل سلعة أخرى. أو بلغة أكثر بساطة: إذا أراد فردان القيام بعملية المقايضة بين السلعة (أ) والسلعة (ب). فما هو عدد الوحدات من السلعة (أ) التي يجب أن يعطيها الطرف الأول من السلعة (أ) لكي يحصل على وحدة واحدة من السلعة (ب). أو باستخدام المثال المذكور، فكم ثمرة يجب أن يعطيها أحمد للصياد مقابل كل سمكة.
يزداد الأمر  تعقيدًا كلما زاد عدد السلع في الاقتصاد. فإذا كان الاقتصاد يحتوي على أكثر من سلعتين. فإنه على كل فرد أن يحدد عدد الأسعار النسبية من الأسعار النسبية.  بحيث يكون «n» هو عدد السلع الموجودة في الاقتصاد.
مثال: إذا كان الاقتصاد يحتوي على ثلاثة سلع: ثمار، سمك، وحطب. فإنَّ عدد الأسعار النسبية الموجودة فيه هو ثلاثة. الثمار مقابل السمك، الثمار مقابل الحطب، والسمك مقابل الحطب. )جدير بالذكر أنه إذا تمت معرفة سعر الثمار مقابل السمك فهذا يماثل معرفة سعر السمك مقابل الثمار. إذا كانت قيمة كل سمكة ثمرتين فإنَّ قيمة كل ثمرة هي نصف سمكة(. أما إذا كان الاقتصاد يحتوي على أربع سلع؛ ثمار، سمك، حطب، لحوم. فإنَّ عدد الأسعار النسبية يصبح ستة. الثمار مقابل السمك، الثمار مقابل الحطب، الثمار مقابل اللحوم، السمك مقابل الحطب، السمك مقابل اللحوم، والحطب مقابل اللحوم.  أما إذا كان عدد السلع الموجودة في الاقتصاد خمسة؛ فإن عدد الأسعار النسبية يصبح عشرة.
وهذا جدول بسيط يوضح زيادة عدد الأسعار النسبية في الاقتصاد كلما زاد عدد السلع فيه.

من الواضح جدًا أن الأمر يصبح معقدًا بسرعة شديدة، فكلما كان الاقتصاد أكبر؛ كان عدد السلع فيه أكبر وزادت عدد الأسعار النسبية التي يجب على الناس معرفتها. فهل تستطيع تحديد عدد السلع الموجودة في اقتصاد بلدك اليوم؟ طبعًا لا! لأن الرقم كبير جدًا، فما بالك بعدد الأسعار النسبية الموجودة في الاقتصاد ككل.

ينظر قائد القبيلة إلى من حوله ثم يقول:

فعلًا هذه المشاكل التي ذكرتها موجودة، لكن لا يوجد بديل أفضل لعملية المقايضة، ونحن مضطرون إلى تحمل مساوئها.. فهل لديك حل؟ – موجهًا كلامه إلى أحمد –

يرد أحمد قائلًا:

لا، ليس لدي حل واحد، بل لدي حلان!

تبدو على وجه قائد القبيلة الدهشة، ويرد بلهفة شديدة:

  • حلان…!؟ إلينا بهما فنحن بأمسِّ الحاجة إلى ذلك”.

لقد تأخر الوقت جدًا … حان موعد نومك يا بني.

  • لكنك لم تكمل القصة يا أبي!
  • سأكملها غدًا بإذن الله، شريطة أن تحلَّ واجباتك المدرسة أولًا
  • حسنًا يا أبي )وقد ارتسم على وجهه الحزن(

في المقال القادم، نكمل معًا حكاية والد أحمد. لنحاول معًا كسر أحد أكبر التابوهات عند المتخصصين في الاقتصاد. ألا وهو؛ كيف تُخلق النقود؟