الإحتكار التام | الجحيم الاقتصادي

الإحتكار التام … هل الخوف منه مبرر؟

إذا كان الكثيرين يعتبرون اقتصاد السوق يطلق على الاقتصاد المبني على الأسواق التنافسية الحرة  ويرونه سببًا في جلب الخير والسعادة للبشرية جمعاء، فمن الطبيعي أن تكون لديهم فكرة واضحة عن النقيض. أو بعبارة أخرى، ما لا يجب أن تكون عليه الأسواق، الجحيم الاقتصادي.

قصة محزنة

ها هو العيد على الأبواب، ذهب يحيى إلى السوق لشراء حذاء جديد، ففُوجئ بأن كل محلات الأحذية أقفلت بلا رجعة خلا واحدًا  ! بلا حول ولا قوة له، توجه يحيى إلى هذا المحل ليقتني ما يحتاج إليه، لكن كانت المفاجأة في بطاقة السعر على الحذاء المنشود.
لكن ما كان بيد المسكين أن يفعل؟ و لا بديل عن شراء الحذاء.
قصة محزنة، أليس كذلك؟ لننتقل إلى قصة أخرى أكثر واقعية.

إنها قصة الشركة المصرية للاتصالات التي تحتكر تقديم خدمات الهاتف الأرضي في جمهورية مصر العربية، هل فكرت يومًا فيما يستطيع مستخدمٌ فعله إن لم تعجبه جودة الخدمة؟ أو سعرها؟ ما البديل؟
قِس على ذلك شركات الغاز الطبيعي، والكهرباء، وكذا الشركة المسئولة عن تقديم خدمة النقل عبر السكك الحديدية. أمر محزن، أليس كذلك؟
هذا ما يُطلق عليه الاقتصاديون: “الاحتكار”، أو ما يمكن تسميته مجازًا بالجحيم الاقتصادي.

خصائص السوق الاحتكاري: تُعرف الأمور بأضدادها

في المقال السابق تحدثنا عن السوق التنافسي و ما يجعله كذلك، و بالمثل سنقوم الآن بالعودة إلى تلك الخصائص الأربع؛ لننظر إلى حالها عند وجود محتكر في السوق.

أولاً: المنتج الأوحد

على العكس من سوق المنافسة الكاملة، فإن هناك عارضًا واحدًا فقط يحتكر إنتاج السلعة أو الخدمة المعروضة في هذا السوق، واحتكاره هذا يُخيّره ما بين أمرين:

  • إما أن يحدد السعر الذي يريد ثم يدع السوق يحدد الكمية المطلوبة لقاء هذا السعر.
  • أو أن يحدد الكمية التي يريد بيعها ثم يجعل السعر مناسبًا لها.

و هذا الأمر يجعل له اليد العليا على المستهلكين، فالمحتكر فائز دائمًا والمستهلكون خاسرون في كل الأحوال.
والاحتكار التام إما أن يكون متمثلاً في الحكومة نفسها عن طريق منشأة خاضعة لسيطرة وإدارة الدولة، أو عن طريق منح الحكومة ميزة احتكار تقديم سلعة أو خدمة حصريًا لمؤسسة خاصة بعينها.

مثال: الشركة المصرية للاتصالات، أو الشركات المسئولة عن توصيل الكهرباء للمنازل وكذلك الغاز الطبيعي والمياه والصرف الصحي… إلخ) شركة كون إيديسون الشركة الوحيدة المسئولة عن إيصال الكهرباء والمياه والغاز في الولايات المتحدة الأمريكية).
وأقرب الأمثلة الملموسة يوميًا: احتكار قناة لبث مباريات دوري كرة قدم حصريًا على شاشاتها، أو رفض نادي من النوادي إذاعة مبارياته إلا عبر قناة معينة يبيع لها حق إذاعة تلك المباريات مما يحرم شريحة كبيرة من المشاهدين من مشاهدة تلك المباريات إلا برسوم إضافية يدفعونها للاشتراك في تلك القناة.

ثانيًا: لا بديل !

لا يكون محتكر سلعة محتكرًا لها بحق إلا إذا لم يكن لها بديلًا آخر في السوق، فلا أحد -مثلاً- يستطيع احتكار صناعة القهوة، لأنه ببساطة سيستبدلها الناس بالشاي أو بأي مشروب آخر إذا هم أرادوا ذلك؛ وبهذا يكون المحتكر هو اللاعب الأوحد في ملعب السوق، فالمنتجات التي يقدمها في السوق سلعًا كانت أم خدمات، هي منتجات فريدة بلا بدائل مماثلة أو حتى قريبة يمكن الاستغناء بها عنها، ما يعني ببساطة إجبار المستهلك على الشراء إذا أراد السلعة بشدة.

ثالثًا: لا أريكم إلا ما أرى

المعلومات هي أثمن ما يمكن تداوله في سوق ما، وفي جميع المجالات الاقتصادية، العسكرية، السياسية، … إلخ تمثل المعلومات كنزًا استراتيجيًا يضمن لك التفوق في مجالك.
لذا فما يزيد الطين بلة في حالة احتكار سلعة ما هو أن المحتكر هو المصدر الوحيد للمعلومة، يفصح عما يشاء منها و يخفي ما يشاء.

رابعًا: صعوبة الدخول

في سوق الاحتكار التام وسواء كان المحتكر هو الحكومة أو من تمنحه الحكومة من الشركات الخاصة ميزة احتكار السوق بقوة القانون (شركات الكهرباء، والغاز الطبيعي (فيكون هناك الكثير من العوائق التي تحول دون دخول منافسين للسوق فسواء كانت عوائقَ قانونية كبراءات الاختراعات والامتيازات وغيرها، أو عوائقَ حكومية وإدارية كالقوانين المحلية الغير مشجعة على المنافسة حيث تكون المنشأة المحتكرة هي الممثلة لكل الصناعة في السوق، أو عوائقَ إنتاجية تتمثل في ملكية طريقة الإنتاج أو ملكية عناصر الإنتاج (شركة ALCOA محتكرة إنتاج الألمونيوم لسنوات في الولايات المتحدة الأمريكية بسبب تحكمها في مناجم الألمونيوم)، كما أن صناعات سوق الاحتكار غالبًا ما تحتاج لرأس مال ضخم جدًا يصعب توفره، أو أن يكون هناك عوائقَ تقنية متعلقة بالتكنولوجيا المستخدمة في العملية الإنتاجية وأخيرًا العوائق الطبيعية والتي لا دخل للإنسان فيها.وخير مثال نراه؛ هو في احتكار فرق كرة القدم للاعبيها، ومنعهم من الانتقال أوالاحتراف الخارجي إلا كيفما يتراءى لها ويحقق لها أعلى دخل ممكن.

المنطقة الرمادية

إذا كان السوق التنافسي الحر هو أحسن حالات السوق حالًا والاحتكار التام أشدها سوءًا، فإن ذلك لا يعني أنهما الحالتين الوحيدتين التي يمكن أن تكون عليهما الأسواق بل على العكس، فهاتان حالتان متطرفتان من النادر جدًا وجودهما في الحياة الواقعية بالوصف الذي ذكرناه.
فكل الأسواق الاقتصادية في العالم تقع في المنطقة الرمادية بين بياض التنافس الحر الناصع وسواد الاحتكار التام القاتم، و في المقالات القادمة سنحاول بإذن الله إطلاعكم على أشهر أنواع الأسواق الاقتصادية و أكثرها وجودًا في الاقتصاد.
فانتظرونا!