أسباب التضخم | عوامل الخراب

إذا سألت أي اقتصادي أو سياسي يحكم دولة ما عن أكبر كوابيسه الاقتصادية فسيكون الجواب هو التضخم.
فما الذي قد يجعل الوضع الاقتصادي متأزمًا في دولة ما أكثر من ارتفاع أسعار كل شيء بشكل متواصل وبمعدلات كبيرة؟
العامة، الاقتصاديون، الساسة، لا أحد ينجو من تأثير التضخم مما يجعله أكثر المواضيع الاقتصادية أهمية، فما هي أسباب التضخم يا ترى؟
الإجابة تتكون من أربعة أجزاء، سنتطرق إليها بالترتيب.

أولا :التضخم النقدي

لنتخيل أن دولة نشأت وبداخلها موارد إقتصادية من: سلع وخدمات ومبانٍ ومصانع ومنتجات وموارد طبيعية ولها عملة وطنيه تسمى بالـ”كورب”.
إذا قمنا بتقييم ثروات هذه الدولة فسنجد أنها تساوي مجتمعة مليون “كورب”. وقرر البنك المركزي لهذه الدولة أن يطبع مليون كوربا هي قيمة الموارد المتاحة فى المجتمع؛ لكي يستخدمها سكان هذه الدولة في تبادل السلع والخدمات الموجودة فيما بينهم.
فما الذي سيحدث إذا اتخذ البنك المركزي لتلك الدولة قرار طبع مليون كوربا جديدة وتوزيعها على الناس؟
نلاحظ هنا أن قيمة موارد تلك الدولة لم تتغير، لكن كمية النقود الموجودة في الدولة ستتضاعف، هذا ليس استنتاجًا يصعُب الوصول إليه، فالكل يستطيع فهم أن الناس سيصبح لديهم ضعف المال بدون بذل أي مجهود، فما الذى سيحدث في هذه الحالة إذن؟

لنفترض أنك أحد التجار في تلك الدولة وفهمت أن الناس لديهم الآن ضعف الأموال التي كانت لديهم؛ فأول رد فعل لك سيكون مضاعفة الأسعار؛ لأن كل فرد أصبح يمتلك مالا أكثر. أليس كذلك؟!
دعنى الآن أسألك سؤالا ماذا كان أول ما خطر فى بالك عندما قلنا في هذا المثال أنه سيتم طبع المليون “كورب” الإضافية؟ هل ظننت أن الجميع سيصبحون أغنى؟

لكن ما الذى حدث حقا؟

ما حدث هو أنه على الرغم من زيادة كمية الأموال إلا أن الأسعار قد تضاعفت فى حين أن ما يمتلك الناس من أملاك لم يتغير.
وهذا هو الذي يحدث في الواقع …  فعند طبع الدولة لنقود زائدة عن الثروة الفعلية لاقتصاد ما، لا توزع الدولة النقود على المواطنين بل تستخدمها غالبا لسداد التزاماتها كسداد أقساط الديون الخارجية، في حين أن المواطنون لا ينالهم إلا ارتفاع الأسعار.

لذا يمكننا تعريف التضخم النقدي بأنه ارتفاع الأسعار الناتج عن زيادة كمية النقود المعروضة في المجتمع.
وبصيغة أخرى هو انخفاض قيمة النقود وقدرتها على الشراء.

ثانيا تضخم الطلب

من الأسباب الواضحة التي ينتج عنها التضخم أيضًا هو زيادة الطلب على السلع واالخدمات. فعندما يزيد الطلب يقوم الباعة بزيادة السعر؛ لأنهم يعلمون أن المستهلكين سيقبلون بالسعر الأعلى فطبقا لقانون العرض والطلب إذا كان هناك سلعة  (أو مجموعة من السلع) زاد الطلب عليها فجأة مع عدم زيادة المعروض منها، فسيرغب الناس في دفع ثمن أعلى حتى يحصلوا على هذا المنتج وذلك بسبب عدم توفره للجميع.
و يظهر “تضخم الطلب” بوضوح مع “التضخم النقدي”، حيث أنه عند زيادة الأموال المتاحة للاستخدام فى المجتمع يرغب الناس في الحصول على كم أكبر من السلع والخدمات والموارد، ولكن نظرًا لأن الكميات محدودة ولم يزداد المعروض منها، بالإضافة إلى تزايد الرغبة في الحصول عليها فالبتالى ترتفع الأسعار، ونظًرا لانخفاض قيمة النقود بسبب زيادة المعروض منها؛ يؤدي ذلك إلى زيادة الشعور بالتضخم فالنقود تقل قيمتها والمنتجات ترتفع أسعارها في نفس الوقت.

ثالثا: تضخم الدخل

وهو ارتفاع فى الأسعار يحدث نتيجة ازدياد النقود المتاحة في المجتمع مما يؤدي إلى زيادة دخل الأفراد، ونظًرا لزيادة الدخل المتاح لدى الأفراد يزداد الطلب على السلع والخدمات والمنتجات.
أي أن “تضخم الدخل” هو حالة تجمع بين “التضخم النقدي”  و”تضخم الطلب” في آن واحد.

رابعا: تضخم التكلفة

التضخم الناشئ عن التكلفة هو ارتفاع في الأسعار يحدث نتيجة ارتفاع أسعار المواد الخام والسلع الوسيطة وكافة مستلزمات الإنتاج، فتزداد تكاليف الإنتاج على المنتجين، وبالتالى يقوم كل منهم برفع أسعار المنتجات النهائية لكي تغطي هذه الزيادة في التكاليف التي قد تحملوها. أي أن زيادة تكاليف عملية الإنتاج تؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتجات النهائية  بالتالي كما أصبحت تعلم تفقد النقود قدرتها الشرائية.

كما أشرنا في المقالنا السابق، فالتضخم  له أسباب عديدة  متنوعة، لكن الناتج النهائي واحد؛ وهو ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة النقود وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين. فما الحل يا ترى؟
هذا ما سنناقشه في المقال القادم إن شاء الله