إسهامات اقتصادية | جان تينبرجن ومدخل إلى النمذجة والاقتصاد القياسي

بدأ جان تينبرجن Jan Tinbergen  دراسة الرياضيات والعلوم الطبيعية في جامعة ليدن بهولندا عقب تخرجه من المدرسة الثانوية بمعدلٍ عال. وبعد تخرجه بفترة عكف على إعداد أطروحة الدكتوراه تحت إشراف أستاذه “بول إهرنفست” أستاذ الفيزياء النظرية، الأستاذ صاحب التأثير الأقوى عليه أثناء دراسته في ليدن.
كان نتبرجن منجذبا للاقتصاد بعكس أستاذه الذي كان مهتما بالتشابه بين الفيزياء والعلوم الاقتصادية؛ بالتالي جاءت رسالة نتبرجن التي ناقشها عام 1929 نتيجة لهذا التفاعل معنونة بــ: ” Minimum Problems in Physics and Economics”

وبينما حاول أستاذه أن يقنعه ليظل فيزيائيا، بدأ تينبرجن مسيرته المهنية اللامعة في الاقتصاد، حيث ساهمت وجهة نظره الرائدة في تأسيس الاقتصاد القياسي أحد أهم الأدوات المساعدة على التحليل الاقتصادي في عالمنا اليوم.

الاقتصاد القياسي

هو استخدام الرياضيات والإحصاء في دراسة الظواهر الاقتصادية؛ فباستعمال الاقتصاد القياسي يمكننا توضيح تأثير عامل على عدة عوامل أخرى.

مثلًا: إذا أردنا معرفة العوامل التي تؤثر على مبيعات مجموعة من الشركات في اقتصاد ما؛ نقوم بالتالي:

نضع افتراضات عن العوامل المؤثرة في هذه المبيعات، حيث نسأل أنفسنا، ما هي العوامل التي قد تؤثر على المبيعات؟ من هنا قد تكون الإجابة كالتالي:

  • جودة المنتج
  • مصروفات الدعاية
  • سعر المنتجات المشابهة التي تنتجها الشركات المنافسة

بعد ذلك يمكننا تطبيق أساليب الاقتصاد القياسي في اختبار صحة هذه الافتراضات والإجابة عن الأسئلة التالية:

  • هل العوامل – يطلق عليها الاقتصاديون المتغيرات – التي  افترضناها تؤثر في المبيعات؟
  • كيف يمكن وصف هذا التأثير؟ إيجابي أم سلبي؟ كبير أو صغير؟

في النهاية يتم استعمال النظريات الاقتصادية وأساليب الاقتصاد القياسي في إنتاج ما يسمى بـ: النموذج الرياضي

وقد تحدثنا في مقالنا عن النماذج الاقتصادية  ؛ بأنها محاولة لتبسيط ظاهرة اقتصادية ليصبح فهمها أيسر.

يعتبر هذا النموذج بمثابة تبسيط للظاهرة الاقتصادية حيث يُمَكِننا من:

  • تفسير الظاهرة و تحديد العوامل -المتغيرات- التي تؤثر عليها.
  • توقع التغيرات التي قد تطرأ على الظاهرة عند تغير المتغيرات (عودة إلى المثال السابق: ماذا يمكن أن يحصل للمبيعات إذا قيّمنا مصاريف الدعاية بـ 1000 دولار ؟)

نموذج الجاذبية لدراسة التبادلات التجارية بين الدول

عرض فكرته بتقديم نموذج رياضي يدرس التجارة الدولية باعتماد قانون ” الجذب العام ” لنيوتن وتطبيقه في كيفية قيام التجارة بين دولتين بينهما مسافة معينة.

فقانون نيوتن فيزيائي بالأساس وينُصُّ على أنه “توجد قوة تجاذب بين أي جسمين في الكون، تتناسب طرديًا مع حاصل ضرب كتلتيهما، وعكسيًا مع مربع المسافة بين مركزيهما” أي أنه في حالة وجود جسمين، فهناك قوة تجذب كل منهما إلى الآخر، هذا القوة تزداد كلما ارتفع حاصل ضرب كتلة الجسمين في بعضهما، وتنقص كلما ازداد مربع المسافة بين مركزيهما.

و بالتالي يصبح:

المتغير الأول = ضرب كتلتي الجسمين = (كتلة الجسم الأول)*(كتلة الجسم الثاني)

المتغير الثاني = مربع المسافة بين مركزي الجسمين = (المسافة بين المركزين)2

ما قام به تينبرجن هو تحويل هذا القانون لينطبق على التجارة الدولية  بفضل خبرته بالطرق العلمية الفيزيائية والمنهج الكَمّي، وأصبحت فكرته ملهمة لما يسمى بالفيزياء الاقتصادية  أو الاقتصاد الفيزيائي  “‘Econophysics”’

وتقوم الفكرة على أن تينبرجن اعتبر أن الأجسام هي الدول، بفرض أن هناك دولتين؛ فان“تدفق التجارة بينهما يتناسب طرديا مع حاصل ضرب كمية السلع والخدمات المنتَجة في الدولة الأولى X الكمية المطلوبة منها في الدولة الأخرى  وعكسيا مع مربع المسافة بين الدولتين”

وبالتالي يصبح:

  • الظاهرة المدروسة = حجم التجارة بين دولتين
  • المتغير الأول = (كمية السلع والخدمات المنتجة فى الدولة 1)*(الكمية المطلوبة منها فى الدولة2)
  • المتغير الثاني = مربع المسافة بين الدولة 1 والدولة 2

النموذج يقول ببساطة: أن حجم التجارة بين بلدين يزداد كلما ازدادت كمية السلع المنتجة في الدولة 1 والطلب عليها في الدولة 2، و ينقص كلما ازدادت المسافة بين الدولتين، هنا يصبح الأمر منطقيا جدا.

فإذا كانت دولة تنتج سلعة ودولة أخرى تريد أن تشتري هذه السلعة فإن التجارة بين الدولتين تزداد كلما ازداد إنتاج السلعة من الدولة الأولى وطلبها من الدولة الثانية.

ثم أنه كلما ازدادت المسافة بُعدًا بين دولتين؛ تصبح التجارة بينهما أصعب لزيادة مصاريف نقل السلعة من الدولة المُصدرة إلى الدولة المستوردة، وبالتالي تقل التجارة بين دولتين كلما زادت المسافة بينهما.

نماذج عملاقة

في عام 1936 طور تينبرجن نموذجًا اقتصاديًا كليًا للاقتصاد الهولندي يحتوي على 24 معادلة تصف أساس العلاقات الاقتصادية المكونة للاقتصاد الهولندي؛ مثل: ما الذي يؤثر على الاستهلاك؟

هل هي الصادرات؟ أم الواردات؟ الاستثمار؟ أم توجد عوامل أخرى؟

بعدها بثلاثة أعوام، طوَّر نموذجًا اقتصاديًا آخر للولايات المتحدة الأمريكية  للفترة ( 1912-1932) وضمَّ 48 معادلة, وأثناء الحرب العالمية الثانية بنى نموذجًا مماثلًا للمملكة المتحدة.

بعد انتهائه من النماذج الاقتصادية الكلية، اهتم بالسياسة الاقتصادية وبيَّن كيف يمكن لصانعي السياسات استخدام النماذج الكلية  لقياس أثار أي سياسة اقتصادية مقترحة، وكيف يمكن للنماذج الإحصائية المساعدة في توجيههم للقرارات  الهامة في حالة تعارض الأهداف الاقتصادية مع بعضها.

إسهامات أخرى

أوضح أيضا أنه يمكن استخدام التحليل الاقتصادي لمساعدة الحكومات في تطوير خطط لتحسين المستوى الاقتصادي؛ فصانعي السياسات يحتاجون لتحديد تفضيلات مواطني الدولة فيما يتعلق بالأهداف الاقتصادية ثم بعد ذلك استخدام أدوات السياسة لتحقيق أفضل الخيارات المتاحة لزيادة رفاهية مواطنيها ورفع مستوى المعيشة.

في فترة السبعينات ركز تينبرجن على موضوع توزيع الدخل، وبحث في أسباب اختلاف توزيع الدخل على مر الزمن، حدد ذلك بالعوامل المؤثرة في عرض العمل والطلب عليه، وكان أكثر عاملين مؤثرِين من وجهة نظره؛ هما التعليم والتطور التقني، ووفقا لتلك الرؤية فإن توسيع اتجاهات التعليم تساعد في تقليل التفاوت في الدخل؛ حيث أن تساوى المهارات الفردية سيؤدى بالتالي لتساوى الأجور وزيادة عرض العمالة المتعلمة سيقلل بالتالي من الأجور المرتفعة, كما أن ذلك سيقلل عرض العمالة الأقل تعليما. على الجانب الآخر يعمل التقدم التقني على زيادة التفاوت في الدخول؛ حيث يتطلب قوة عاملة متعلمة وذات مهارات عالية مما يزيد من الطلب على هذه الفئة.

ورأى أن التفاوت في الدخل نتيجة للسباق بين التعليم والتطور التقني،  فإذا كانت التحسينات في التعليم أسرع من التقدم التقني؛ يقل التفاوت في الدخول، وإذا كانت  للتقنية اليد العليا؛ فإن التفاوت في الأجور يصبح أكبر.

تُستخدم اليوم نماذج اقتصادية مكونة من مئات المعادلات لدراسة الأنشطة الاقتصادية وصياغة السياسات أيضا , كل ذلك بفضل عمل تينبرجن الرائد مما جعله واحد من أعظم اقتصادي القرن العشرين.